التقارب القطري – الايراني.. استراتيجي ام تكتيكي؟

لا يراودني أدنى شك، ان ايران تبذل مساعي حثيثة للارتقاء بعلاقاتها مع الدول المجاورة لها والدول الاسلامية وكافة الدول التي لا تضمر الشر لها الى المستوى الاستراتيجي.

وهناك أسباب عديدة تدفع ايران للارتقاء بعلاقاتها مع الدول الصديقة الى المستوى الاستراتيجي، ولكن بما أن المقام سيطول بنا لو تحدثنا عن كل الاسباب، لذلك سأكتفي بالتطرق الى سبب واحد، وربما يكون هذا السبب هو الرئيسي في سعي ايران الى تطوير وتعزيز علاقاتها مع أشقائها واصدقائها.

السبب هو الصراع المزمن بين ايران واسرائيل، الذي لا يزال هناك من يشكك بوجوده رغم الأدلة الدامغة على احتدامه، ولعل السبب الرئيسي في التشكيك بوجوده يعود الى أن المشككين لا يجدون ما يبررون به عدائهم لايران سوى أن عدائها لاسرائيل كاذب ومجرد سيناريو.

لسنا هنا بصدد سرد اسباب العداء والصراع المزمن بين ايران واسرائيل، وماهي الأهداف التي تسعى طهران الى تحقيقها من قطيعتها مع اسرائيل ورفضها لأي نوع من أنواع التطبيع معها، ولكن ينبغي القول أن ايران دفعت ولا تزال تدفع ثمنا باهضا لهذا الصراع، بل أن أغلب المشاكل التي تعاني منها جاءت نتيجة هذا الصراع، وعلى الرغم من كل ذلك فانها لم تعلن يوما بأنها توقفت عن صراعها مع اسرائيل، ولا يبدو أنها ستعلن في المستقبل عن ذلك.

طهران تدرك جيدا أن وجود أصدقاء وحلفاء وعلاقات استراتيجية مع سائر الدول يساعدها في صراعها مع اسرائيل، خاصة أن هذا الصراع لا يقتصر مع تل ابيب بل مع قائمة طويلة من اصدقائها وحلفائها وتأتي الولايات المتحدة الأميركية في مقدمتها، بل يمكن القول أن الصراع الايراني – الاسرائيلي تشعب الى صراع مع العديد من الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة نتيجة دعمها المستميت لاسرائيل.

من المؤكد ان العلاقات لو تطورت ووصلت الى المستوى الاستراتيجي فبها ونعمت، ولكن مع ذلك فان طهران تأمل تحقيق أدنى المكاسب من هذه العلاقات وهو تحييد هذه الدول لكي تصطف الى جانب الدول المعادية لايران.

ومما لاشك فيه أن ايران تدرك جيدا أن الطريق الذي تسلكه خطير جدا ومليء بالتحديات والتهديدات والاخطار لذلك فانها لا تراهن بتاتا على بقاء حكومات الى جانبها للأبد بل أخذت على عاتقها الاستمرار في هذا الصراع حتى لو خذلها أقرب المقربين، ولكن هذا لا يعني أنها لا تصافح اليد التي تمتد اليها، بل على العكس تماما فقد أثبتت على مدى عقود أنها ترد التحية بأحسن منها ولا تكتفي بردها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن ايران تصفح حتى عمن يسيء اليها ويتسبب بالكوارث لها، بل انها لا تطالب المسيئين بالاعتذار، وانما هي التي تبادر الى الاعلان عن فتح صفحة جديدة معهم، لا لشيء سوى لأنها تعتقد أن صراعها مع اسرائيل والولايات المتحدة يستدعي منها تجنب اثارة صراعات أخرى.

فيما يتعلق بالتقارب الايراني – القطري الذي بدأت تظهر مؤشراته بعد الحصار الذي فرضته السعودية ومصر والامارات والبحرين ضد الدوحة، فقد توج بعودة السفير القطري الى طهران، ولا نبالغ اذا قلنا انه لم يكن هناك مشكلة حقيقية بين طهران والدوحة، بل وحتى خفض العلاقات وسحب السفير القطري لم يأت نتيجة دوافع قطرية ذاتية، وانما احتراما لارادة سعودية وامتثالا للقرار الذي أصدره مجلس التعاون الخليجي عقب هجوم مجموعة من الايرانيين على السفارة الايرانية في طهران وقنصليتها في مشهد واحراقهما، احتجاجا على اعدام الرياض الشيخ نمر النمر.

ربما اختلفت طهران والدوحة على الأزمة السورية، بل وحتى هذا الخلاف كان يتخلله احيانا اتفاقيات بين الموالين لايران والموالين لقطر في سوريا، كالاتفاق الذي جرى بين حزب الله وجبهة النصرة فيما يتعلق بالفوعة وكفريا من جهة ومضايا والزبداني والحجر الأسود ومخيم اليرموك من جهة أخرى، وكذلك الاتفاق بين الحزب والنصرة بخصوص اجلائهم من بلدتي عرسال والقاع اللبنانيتين.

من هنا يمكن القول أن قطر شأنها شأن الكويت والامارات استجابت على مضض للطلب السعودي بخفض علاقاتها مع ايران فسحبت سفيرها، ولو كانت تعلم أن الرياض ستكافئها بهذا الشكل لما كانت استجابت لها بل اتخذت القرار الذي اتخذته سلطنة عمان.

من المؤكد أن العلاقات بين البلدين ستتطور وتتعزز ما دامت القطيعة مستمرة بين الدوحة والرياض، الا أن ارتقائها الى المستوى الاستراتيجي يتوقف على قرار تتخذه الحكومة القطرية في هذا الصدد، غير أن السياسة التي انتهجتها الحكومة القطرية منذ تولي الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم وحتى اليوم تبين ان قطر ملتزمة بسياسة متوازنة مع الجميع.

2017-09-13 2017-09-13
mubasher24