بعد “ترقيع” حكومة الشاهد: هل تنجح أمام التونسيين في تحداياتها؟

تباشر الحكومة التونسية الجديدة برئاسة يوسف الشاهد، اليوم الثلاثاء، مهامها بصفة رسمية، بعد حصولها الليلة الماضية على ثقة مجلس نواب الشعب، في ظرف اقتصادي واجتماعي صعب تواجهه البلاد، حذّرت عديد الأحزاب و المنظمات الوطنية والدولية من تداعياته السلبية على تونس.

نيل ثقة البرلمان

في وقت متأخّر من مساء أمس الإثنين، صادق البرلمان التونسي على منح الثقة للأعضاء الجدد في حكومة الوحدة الوطنية عقب التعديل الأخير الذي شمل 13 حقيبة وزارية وسبع كتاب دولة، وقلص بموجبه الشاهد أعضاء حكومته إلى 33 عضوًا، حيث ألغى نصف كتاب الدولة، كما عين وزراءً جددًا في عدد من الوزارات المهمة، مع الإبقاء على بعض الوزراء ومنحهم حقائب جديدة، واستقدام وزراء سابقين، وتقليص عدد النساء داخل الحكومة إلى النصف تقريبًا.

وحظي الوزراء الجدد في حكومة الرئيس يوسف الشاهد، الذين ضمّهم رئيس الوزراء يوسف الشاهد الأسبوع الماضي، إلى تركيبة حكومته، بثقة غالبية مريحة داخل البرلمان، وكان الشاهد قدّم فريقه الوزاري الجديد الأربعاء الماضي، بعد أسبوعين من المشاورات مع الأطراف السياسية، ومن الوزارات التي شملها التعديل الوزاري الجديد ليوسف الشاهد الداخلية والدفاع والنقل والمالية والتربية، إضافة إلى الصحة والاستثمار والصناعة والطاقة.

تتشكل حكومة الوحدة الوطنية التونسية في الدرجة الأولى من وزراء مستقلين، متبوعين بوزراء أحزاب؛ على رأسها حركتي “نداء تونس” و”حركة النهضة”

وبرر الشاهد اللجوء إلى هذا التعديل بعدة أسباب أهمها وجود شغور في ثلاث وزارات هي التربية والمالية” والتنمية والاستثمار، إضافة إلى الاستجابة لما أثاره نواب المجلس في جلسات سابقة من انتقادات لعمل بعض الوزارات. وينص الفصل 144 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي على أنه إذا تقرر إدخال تعديل على الحكومة التي نالت ثقة المجلس إما بضم عضو جديد أو أكثر أو بتكليف عضو بغير المهمة التي نال الثقة بخصوصها، فإن ذلك يتطلب عرض الموضوع على المجلس لطلب نيل الثقة.

وتتشكل حكومة الوحدة الوطنية التونسية في الدرجة الأولى من وزراء مستقلين، متبوعين بوزراء أحزاب؛ على رأسها حركتي “نداء تونس” و”حركة النهضة”، فضلا عن وزراء منتمين لأحزاب “آفاق تونس”، و “المسار”، وقد جاء التعديل الجديد بعد ضغوط حزبية وتداوُل بين الفرقاء السياسيين.

تحديات اقتصادية

الحكومة الثانية ليوسف الشاهد، تأتي في وقت تعاني فيها تونس من أزمة اقتصادية حادة، حذّرت عديد المنظمات والهيئات الوطنية من تداعياتها على البلاد، وقبل أيام، كشف وزير المالية السابق في حكومة الشاهد الأولى عن تردي الأوضاع المالية في تونس، وحاجة البلاد للحصول على قروض خارجية لتسديد أجور الموظفين توفير مصاريف الدولة وموارد الدعم، وأقر أن كل محركات الاقتصاد التونسي شبه معطلة مجددًا، وهو ما جعل تونس في حاجة إلى موارد مالية عاجلة خلال الأشهر المقبلة على حد تعبيره.

وقال الوزير: “لأول مرة تحتاج الدولة التونسية إلى الاقتراض الخارجي لتوفير موارد مالية للباب الأول من الميزانية العامة للدولة المتعلق بالأجور ومصاريف الدولة والدعم، وهو ما يقرع أجراس الإنذار بشأن توفير الموارد المالية خلال الفترة المقبلة ومواجهة التحديات المالية خاصة على مستوى الزيادات في الأجور المتفق بشأنها بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) والتي تدخل حيز التنفيذ خلال النصف الثاني من سنة 2017”.

تراجع مؤشرات الاقتصاد التونسي

وتزامن ذلك مع صدور تقرير للبنك الدولي حذر فيه تونس من إمكانية الانهيار، وقال البنك إن الحكومة التونسية لا تزال تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية، مما يفرض عليها حماية نظامها المالي من الانهيار وذلك بالسيطرة على عجز الموازنة وميزان المعاملات التجارية، وتحقق تونس، وفقًا لأرقام رسمية، إيرادات سنوية جبائية وغير جبائية تراوح بين 24 و25 مليار دينار (ما بين 10 و10.4 مليارات دولار)، وهي إيرادات غير كافية لتغطية كتلة الأجور والديون ونفقات التصرف بالدولة والدعم، مما يدفع الحكومة إلى السوق العالمية للتداين لتغطية الأجور.

وسجلت البلاد ارتفاعًا في نسق تطور الواردات خلال الـ 6 أشهر الأولى من سنة 2017 ليصبح في حدود 16.4% مقابل ارتفاع للصادرات بـ 12.7%، إلى جانب ذلك بلغ عجز الميزان التجاري التونسي خلال النصف الأول من السنة الحالية 7535.2 مليون دينار مقابل 6034.1 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2016 وفقًا للمعهد الوطني للإحصاء (مؤسسة حكومية).

في الشهر الماضي هبط احتياطي تونس من العملة الصعبة بشدة، وأصبح يغطي ما لا يزيد على واردات 90 يوماً

كما تضاعف عجز الميزان التجاري الغذائي خلال النصف الأول من سنة 2017، حيث بلغ 728.5 مليون دينار (ما يمثل 9.7% من إجمالي عجز الميزان التجاري) مقابل 367.6 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2016، وفقًا لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، كما سجل معدل إنتاج النفط تراجعًا إلى ما دون 30 ألف برميل في اليوم في الفترة الأخيرة، وكانت وزارة الطاقة والمناجم قد أشارت سابقًا إلى أن تونس تتكبد يوميًا نتيجة تعطل الإنتاج خسائر بقيمة 3.4 مليون دينار، فيما تقدر الخسائر أسبوعيًا بما يعادل 25 مليون دينار.

إلى جانب ذلك، يواصل الدينار التونسي تراجعه في السوق العالمية لينزل إلى مستويات قياسية أمام العملات الرئيسية، حيث بلغ اليوم الثلاثاء 2.88 أمام اليورو (العملة الأوروبية الموحدة) و2.4 أمام الدولار الأمريكي، وهذه من المرات القلائل التي تنزل فيها قيمة الدينار التونسي إلى هذا المستوى، وتحدد قيمة العملة بجملة من العوامل على رأسها المستوى العام للأسعار والاحتياطي النقدي للبلاد وسعر الصرف ووضع البلد الاقتصادي والمالي.

وفي الشهر الماضي هبط احتياطي تونس من العملة الصعبة بشدة، وأصبح يغطي ما لا يزيد على واردات 90 يوماً، وهو أضعف مستوى في نحو ثلاثة عقود، قبل أن يعاود الارتفاع إلى ما يكفي واردات 103 أيام، بعد صرف البنك الدولي قرضاً بقيمة 500 مليون دولار، وتحتاج تونس إلى تحقيق نسبة نمو بنحو 4%لتحقيق توازنات مالية إلا أن نسبة النمو لم تتعد 1% واقتربت في 2015 من الصفر ويتوقع أن تبلغ 2.3% هذه السنة، بينما كان النمو في 2010 عند 4.5% حسب أرقام صندوق النقد الدولي.

برنامج الشاهد

رئيس الحكومة يوسف الشاهد، قال خلال جلسة منح الثقة، إن أولويات عمل الحكومة حتى عام 2020 ستكون الحرب على الإرهاب والفساد ومواجهة البطالة، وتعزيز العمل للخروج من الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد. وأضاف الشاهد، في كلمة أمام الجلسة الاستثنائية لمجلس نواب الشعب المخصصة لمنح الثقة للحكومة بعد التعديل الوزاري الأخير، “إن حكومة الوحدة الوطنية ستواصل خوض حربها ضد الفساد، وستكون أولوية عملها إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية، ولا مكان لوزير أو وكيل وزارة ثبتت إدانته من طرف القضاء ضمن الفريق الحكومي“.

تبلغ موازنة الدولة التونسية للعام الجاري 32.5 مليار دينار تونسي من بينها 14 مليار دينار مخصصة للأجور

وشدد على أن الحرب التي ستخوضها الحكومة تحتاج إلى وحدة وطنية، وتكاتف جهود جميع القوى السياسية، موضحا أن أبرز الأهداف التي تسعى حكومته لتحقيقها، هي تحويل المؤشرات الاقتصادية في تونس في نهاية عام 2019 إلى اللون الأخضر كما أن النجاحات الاقتصادية تتطلب استقرارا سياسيا.في هذا الشأن تعهّد بوسف الشاهد، بالعمل خلال السنوات الـ 3 المقبلة على تقليص عجز موازنة الدولة إلى حدود 3% مقارنة مع 6% متوقعة هذا العام، وحصر نسبة الدين العام بـ 70 % وتقليص كتلة الأجور إلى حدود 12.5 % مع رفع نسبة النمو إلى 5 %، متعهداً بأن هذه الخطة ستخفض نسبة البطالة.

اصلاحات مالية كبيرة تنتظرها تونس في قادم الأيام

وأعلن رئيس الوزراء التونسي أن الحكومة ستسمح بفتح حسابات بالعملة الأجنبية، وستقر قانونا للعفو في جرائم الصرف، وذلك ضمن إطار خطة لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي التي تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ نحو ثلاثة عقود، وذكر الشاهد أن حكومته ستقدم برنامجا اقتصاديا للبرلمان بعد أن تنتهي من بعض النقاشات مع الأحزاب والمنظمات التي يتوقع أن تثريه ببعض الاقتراحات. وأضاف أن الخطة تتضمن إصلاحات اقتصادية وصفها بأنها “ضرورية لإعادة التوازنات للمالية العمومية وإنعاش الاقتصاد”، مشيرا إلى أن حزمة الإصلاحات ستمس الوظيفة العمومية والقطاع المصرفي والصناديق الاجتماعية، إضافة إلى منظومة الدعم التي قال إنها أهم الإصلاحات المنتظرة في الفترة المقبلة.

صندوق النقد الدولي حث الحكومة التونسية على الضغط على الأجور

وتبلغ موازنة الدولة التونسية للعام الجاري 32.5 مليار دينار تونسي (حوالي 14 مليار دولار أميركي) من بينها 14 مليار دينار مخصصة للأجور بعد أن كانت لا تزيد على 6.7 مليار دينار تونسي قبل سنوات، و1.6 مليار دينار لدعم المواد الغذائية و650 مليون دينار لدعم مواد الطاقة و450 مليون دينار لدعم قطاع النقل، وفق احصاءات رسمية. وكان صندوق النقد الدولي قد حث الحكومة التونسية على الضغط على الأجور، وذلك من خلال الاستغناء عن نحو 130 ألف من موظفي القطاع العام، وتحديد نسبة الأجور في مستوى 12%، وهو من بين شروط الإصلاح الاقتصادي الهيكلي المفضي إلى حصول تونس على أقساط من القروض المخصصة لتمويل اقتصادها الذي يمر بفترة صعبة، وفق تقديرات الخبراء في مجالي المالية والاقتصاد.

2017-09-13 2017-09-13
mubasher24