حقيقة الضغوط الدوليّة على عبّاس لوقف خنق غزّة

منذ أن بدأت السلطة الفلسطينيّة إجراءاتها العقابيّة ضدّ غزّة في حزيران/يونيو، وأهمّها تقليص رواتب الموظّفين الحكوميّين وعدم تحويل الأموال إلى الوزارات الخدماتيّة كالصحّة والتعليم ووقف شراء الوقود لتشغيل محطّة الكهرباء، التزم المجتمع الدوليّ الصمت ولم يظهر تدخّلاً واضحاً علنيّاً لوقف تداعيات العقوبات على الواقع المعيشيّ المتعثّر في غزّة، لكنّ الصحافة الفلسطينيّة تحدّثت أخيراً عن ضغوط مارستها عواصم أوروبيّة على الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس لوقف هذه الإجراءات القاسية بحقّ القطاع.

وكشف مصدر فلسطينيّ مطّلع، أخفى هويّته، لموقع “الساعة الثامنة”، في 30 آب/أغسطس، أنّ تخفيف عبّاس إجراءاته العقابيّة ضدّ غزّة، يعود إلى ضغوط مارسها الاتحاد الأوروبيّ عليه.

وكان رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمدالله قرر يوم 26 آب/أغسطس، بموافقة الرئيس عباس، إعادة موظفي التعليم بغزة لأعمالهم، بعد أن أحالتهم الحكومة للتقاعد يوم 4 تموز/يوليو، ويقترب عددهم من ستة آلاف موظف.

وذكرت إذاعة “صوت الأقصى” التابعة لـ”حماس” في 29 آب/أغسطس أنّ محمود عبّاس طلب عقد اجتماع مع الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، فرفض الأخير استقباله حسب التقارير الصحفية، بسبب عقوباته ضدّ غزة، التي أضرّت بقطاعات حيويّة كالتعليم والصحّة والبنية التحتيّة.

وفي هذا السياق، قال رئيس المرصد الأورو- متوسطيّ لحقوق الإنسان في غزّة رامي عبده لـ”المونيتور”: “لا ضغوط أوروبيّة جديّة لإنهاء معاناة غزّة، فممارسات الاتحاد الأوروبيّ على مدار سنوات حصار غزّة منذ عام 2006 وحواراته مع السلطة الفلسطينيّة تظهره حريصاً على ألاّ يقع بحرج كبير من جراء قيامها بانتهاك حقوق الإنسان، لأنّه الداعم الأكبر لها، لكنّ السلطة تناور الأوروبيّين في موضوع عقوبات غزّة من زاويتين: الأولى أنّ خطواتها ضدّ غزة سقفها زمنيّ قصير، وقد اتّضح عدم صحّة ذلك، والثانية أنّها تقوم بوقف رواتب موظفين لا يعملون، وطلب الاتحاد في شباط/فبراير عدم تسديد رواتبهم. ولذلك، لن يذهب الأوروبيّون بعيداً برفض خطوات السلطة”.

وأعلنت صحيفة “الرسالة” في غزّة بـ28 آب/أغسطس أنّ الاتحاد الأوروبيّ يبحث في قطع المعونات الماليّة عن السلطة الفلسطينيّة إن واصلت تنفيذ إجراءاتها ضدّ القطاع، لأنّها تندرج تحت إطار العقوبات الجماعيّة، علماً بأنّ الاتحاد الأوروبيّ يقدّم دعماً ثابتاً إلى موازنة السلطة بقيمة 450 مليون يورو سنويّاً، بنسبة 15 في المئة من موازنتها.

أمّا الناطق باسم مفوضيّة الاتحاد الأوروبيّ في القدس شادي عثمان فنفى بتصريح صحافيّ في 28 آب/أغسطس، هذا الخبر، مؤكّداً عمق العلاقات الاستراتيجيّة مع السلطة، واستمرار الاتحاد بالتزامه الماليّ تجاهها.

من جهته، قال وزير العمل والتخطيط الفلسطينيّ السابق في رام الله غسّان الخطيب لـ”المونيتور”: “إنّ الرئيس عبّاس لا يغامر باتّخاذ قرارات قاسية بحقّ غزّة من دون تشاور وتوافق مع المجتمع الدوليّ، بغضّ النظر عن موقفنا منها سواء أكانت خطوات إيجابيّة أم سلبيّة، لكنّ الواضح أنّ أبو مازن أخذ في الاعتبار مسبقاً هذه المواقف الدوليّة قبل شروعه بسياسته الجديدة تجاه غزّة، لأنّه يعتقد أنّه آن الأوان لإعادة غزّة إلى الشرعيّة الفلسطينيّة، والتوقّف عن بقائها منعزلة عنها، لأنّ ذلك سيحول دون تحقيق حلم الدولة الفلسطينيّة، وهو يريد إرسال رسالة إلى المجتمع الدوليّ بأنّ غزّة ما زالت خاضعة وتابعة للنفوذ الرسميّ الفلسطينيّ”.

بدوره، قال المتحدّث باسم “حماس” حازم قاسم لـ”المونيتور”: “إنّ المجتمع الدوليّ مطالب بالضغط بقوّة على عبّاس لوقف إجراءاته ضدّ غزّة، لأنّها خارج القانون الدوليّ وتوصل الأوضاع في غزّة إلى حافّة الانهيار والانفجار، والجهات الدوليّة بمعظمها ترفض هذه الإجراءات، وتعتبرها لا إنسانيّة، وعبّاس منزعج من هذه المواقف، لكنّه ما زال يصرّ على مواقفه اللاّوطنية، وحماس من جهتها تضع كلّ الجهات الدوليّة التي تتواصل معها في صورة إجراءات عبّاس، وتوضح لها نتائجها الكارثيّة. كما أنّ حماس عملت وما زالت على تحقيق اختراقات في الإقليم لمحاولة تجاوز آثار الإجراءات مثلما فعلت في تمّوز/يوليو بتفاهماتها الأخيرة مع مصر”.

وقال الضابط السابق في جهاز الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة يوني بن مناحيم في مقاله على موقع “المعهد الأورشليميّ للشؤون العامّة والدولة” في 30 آب/أغسطس: إنّ عبّاس يتعرّض لضغوط محليّة وإقليميّة ودوليّة دفعته إلى تخفيف العقوبات التي يفرضها على سكّان غزّة. ولذلك، جمّد عقوباته عشيّة سفره إلى تركيا في 27 آب/أغسطس، ورغب في تقديم بادرة حسن نيّة إلى الرئيس رجب طيّب أردوغان، وتزامناً مع زيارة المبعوث الأميركيّ جيسون غرينبلث لحدود غزّة في 29 آب/أغسطس، ووصول الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش لغزّة في 30 آب/أغسطس. ولقد استمع عبّاس من هؤلاء المسؤولين إلى خشيتهم من تدهور الوضع الإنسانيّ في غزّة.

مع العلم أن أي مسئول فلسطيني لم يعلن حتى الآن تجميد العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية ضد غزة.

أمّا رئيس تحرير صحيفة “الاقتصاديّة” الإلكترونيّة الصادرة في غزّة محمّد أبو جياب فقال لـ”المونيتور”: “إنّ عبّاس ربما لا يتّخذ إجراءاته ضدّ غزّة بمنأى عن وجود توافق أوروبيّ ودوليّ، وأنا أعلم من مصادري المطلعة بوزارة الماليّة الفلسطينيّة برام الله، التي تشرف على معظم العقوبات والتقليصات ضدّ غزّة، بأنها تقدّم تقارير دوريّة إلى البنك الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ والاتحاد الأوروبيّ تفيد بتراجع النفقات وتقليص المصاريف بفعل الإجراءات الأخيرة ضدّ غزّة، سعياً منها للحصول على تأييد دولي لهذه الإجراءات”.

وأخيراً، لا أحد يعلم حقيقة الضغوط الأوروبيّة والدوليّة على السلطة الفلسطينيّة لوقف إجراءاتها العقابيّة ضدّ غزّة، لكنّ المرجّح أنّ عبّاس قد لا يمتلك الجرأة الكافية لاتخاذ مثل تلك العقوبات، لا سيّما وقف الرواتب وتقليص النفقات الخاصّة بغزّة، من دون أن يكون هناك توافق ضمنيّ أو صريح مع تلك الجهات الدوليّة.

2017-09-13
mubasher24